علي الهجويري

145

كشف المحجوب

حتى إن الجنيد كان يقول : « حاتم الأصم صديق زماننا » وله عبارة عالية تدل على دقة نظره في النفس ، وعلى مواطن ضعفها . وله كتب غالية في علم المعاملات . يروى أنه قال : « الشهوات ثلاث شهوة الأكل ، وشهوة الكلام ، وشهوة النظر فاحفظ في الأكل الثقة ، وفي اللسان الصدق ، وفي النظر العبرة » « 1 » . فكل من استوثق في طعامه نجا من شهوة الأكل ، وكل من تحدث صدقا نجا من شهوة اللسان ، وكل من استقام بنظره نجا من شهوة النظر . فالتوكل على اللّه تعالى ثمرة المعرفة الحقة ، لأن من عرفه تيقن أنه الرزاق وأنه يرزقه بقوته الضروري ، فلذلك ينطق بالحق ، وينظر بالحق فيكون شرابه المحبة ، وكلامه الحكمة ، ونظره المشاهدة ، وإذا علموا حق المعرفة لم يأكلوا إلا الحلال ، وإذا نطقوا بالحق شكروا اللّه وأثنوا عليه . وإذا نظروا حقا شاهدوا اللّه ، لأنه طعام أحلى من الذي أعطاه وأباحه ، ولا ذكر أحق أن يذكر في الثمانية عشر ألف عالم إلا اسمه سبحانه وتعالى ، وأنه ليس من المباح النظر إلى أي شيء في العالم إلا مشاهدة جماله وجلاله ، فبذلك لا يكون من الشهوة أن تأخذ طعامك منه ، وتأكله بأمره ، ولا أن تتكلم عنه بإذن ، ولا أن ترى أفعاله صادرة عنه ، وبالعكس فإنه من الشهوة المهلكة أن تأكل طعامك ولو حلالا بإرادتك ؛ وأن تتكلم ولو بذكر اللّه مع ملاحظة نفسك ، وأن تنظر بنفسك ولو على سبيل العبرة . 20 - ومنهم الإمام المطلبي وابن عم النبي ، أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي . من عظماء الوقت ، كان إمام في جملة من العلوم ، معروفا بالفتوة والورع ، وله مناقب كثيرة مشهورة ، وكلمات عالية . لما كان بالمدينة تتلمذ للإمام مالك ، ولما أتى إلى العراق اجتمع بمحمد بن

--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 96 .